عبد الرزاق اللاهيجي

232

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

وان كان تخيل بعضها دون بعض كان ترجيحا بلا مرجح مع أنه يقتضي ذلك جواز صدور الحركة على كل المسافة كما جاز على بعضها من غير قصد إلى شيء من اجزائها وأيضا كيف تتصل حينئذ التخيّلات والإرادات ووجه عدم الورود ظاهر مما ذكرنا ولا حاجة لذلك الايراد إلى ما ذهب إليه المحقق الشريف من انّ هذا الايراد والسؤال الأصل والجواب عنه كلها مبتنية على توهّم وجود الحركة بمعنى القطع وهو بط كما سيأتي بل الموجود في الخارج انما هو الحركة بمعنى التوسّط وهي امر واحد شخصىّ غير منقسم بانقسام المسافة باق من مبدأ المسافة إلى منتهاها فيكفي فيها تخيل المسافة بأسرها اجمالا وإرادة متعلّقة بالحركة عليها ولا حاجة إلى تخيل الحدود المفروضة فيها وتوجّه القصد إليها بخصوصها فصدور الحركة لا يرد نقضا على القاعدة القائلة ان كل فعل جزئي يحتاج إلى تصوّر وإرادة جزئيتين هذا محصّل كلامه وذلك لأنه لا ابتناء لشيء من هذه على وجود الحركة بمعنى القطع في الخارج بل وجودها في نفس الامر يكفى لذلك فان الوجود في نفس الامر لا بدّ له من مبدأ وعلة لامحة بل المتحرك بالاختيار في مسافة يقصد غالبا إلى اصدار هذا المرتسم في الخيال المسمى بالحركة بمعنى القطع فان ذلك اظهر المعنيين المعلوم لكل أحد والحركة بمعنى التوسّط لا يفهمها الا الخواص وأيضا الحركة التوسطية وان كان امرا واحدا شخصيّا لكن يختلف نسبتها إلى اجزاء المسافة ولا يجوز ان يصدر عن الامر الثابت وحده امر مختلف النسبة صرّح به الشيخ في إلهيات الشفا في فصل انّ المتحرك القريب للسماويّات لا طبيعة ولا عقل بل نفس حيث قال ونقول إنه لا يجوز ان يكون مبدأ حركته القريب قوة عقلية صرفة لا تتغيّر ولا يتخيل الجزئيات البتة وكانا قد أشرنا إلى جمل مما يعسر في معرضة هذا المعنى في الفصول المتقدمة إذا أوضحنا ان الحركة معنى متجدد النسب وكل شطر منه مختصّ بسبب وانه لا ثبات له ولا يجوز ان يكون عن معنى ثابت البتة وحده فإن كان عن معنى ثابت فيجب ان يلحقه ضرب من تبدّل الأحوال انتهى ولا شك ان تخيل المسافة اجمالا امر ثابت فلا يكفى في وقوع الحركة بل لا بدّ من امر غير ثابت وهو الّذي ذكريا من الخطورات التدريجية ومنها انه يشترط في صدق التأثير على الفاعل المقارن للمادة كالصّورة القائمة بالمواد والاعراض الحالّة في الأجسام الوضع اى وضع خاص بينه وبين ما يؤثر فيه لان تأثيره يتوقف على وجوده ووجوده محتاج إلى الوضع فكذا ما يترتب على وجوده ولذلك كانت النار لا تسخن اىّ شيء اتّفق بل ما كان ملاقيا لمادّتها أو ما له وضع خاص بالقياس إليها وكذا الشمس لا تضيء كل شيء اتفق بل ما كان مقابلا اجرامها إلى غير ذلك مما لا يحصى من الأمثلة وذلك لضعف الموجود الوضعي في الوجود ان التأثير حيث لا يصل اثره الّا إلى موجود آخر بينه وبينه قرب خاص ووضع مخصوص ولا يقوى على أن يبدع موجودا أو يؤثر في اىّ موجود كان بخلاف الوجود المجرّد فإنه لقوته قد يبدع موجودا ولا يتوقف تأثيره على أن يكون هناك موجود آخر من مادّة أو موضوع ليقع اثره عليه وإذا اثر في موجود آخر لا يتوقف تأثيره فيه على أن يكون ذلك